بعد سوريا... شكراً إيران انتــهت المهمة!


في يوم عاشوراء عام 1970، وفي إحدى الحسينيات بطهران، يوم كان شاه إيران حليفاً لإسرائيل، خطب مرتضى مطهري الذي صار بعد الثورة رئيساً لمجلس الثورة، قائلاً: «والله أقسم بأننا مسؤولون تجاه القضية الفلسطينية، وأقسم بالله بأننا رغم ذلك غافلون، وأقسم بالله بأن القضية التي تدمي قلب النبي الأكرم (ص) هذه الأيام هي هذه القضية». ثم أردف قائلاً: «الإنفاق في هذا الباب واجب وتكليف إلهي كما الصلاة والصوم واجبان».
وبعد عام 1979، تبنّت الثورة القضيةَ الفلسطينية بل صارت قضيتها الرئيسية، ووضعت خطة تهدف إلى تطويق إسرائيل بحزام ناري لاستنزافها وتدميرها، وتوقّع المرشد الإيراني بأن عام 2040 سيشهد زوالها. ولم تترك إيران الثورة وسيلة إلا وحاربت إسرائيل بها. قال الرئيس الإسرائيلي الأسبق موشيه كاتساف عام 2004: بين 60% و 70% من العمليات الفدائية ضد إسرائيل تمولها إيران («القبس» 23 أكتوبر 2004). واعتبر بنيامين نتنياهو بأن عدو إسرائيل الأول والثاني والثالث هو إيران.
وقد ألحق ذلك بإيران أضراراً فادحة: حصاراً وعزلة وانهياراً في قيمة العملة واستنزافاً لاقتصادها وحرماناً من الكثير من فرص التقدم وإنهاكاً في كثير من المجالات وتراجعاً مستمراً في مستوى معيشة المواطنين. وكان المفاعل النووي جزءاً من القصة وأضحى في ما بعد عنوانها الأبرز، مع أنه كان يمكن أن يمر بضجيج أقل - شأنها شأن باكستان - لو لم تكن إيران في قلب الصراع مع إسرائيل.
كانت سوريا النقطة المحورية لإيران في صراعها مع إسرائيل وطريق إمدادها الرئيسي لقوى المقاومة في لبنان وفلسطين. المفارقه أنه باستثناء هذه المسألة كان هناك القليل مما يجمع بين النظام السوري وإيران الإسلامية، وكان من الطبيعي أن تسمع من كبار المسؤولين فيه كلاماً في مجالسهم الخاصة لا يختلف -في بعض أوجهه- عمّا تقوله المعارضة السورية المسلحة التي ترى أن مهمتها الأساسية هي تحرير سوريا مما تسمّيه الاحتلال الإيراني.
عموماً، كان النظام السوري بكل إشكالاته عبئاً كبيراً على إيران، خاصة بعد أن ضاقت قاعدته الاجتماعية ودخل في صراع مع الغالبية العظمى من مواطنيه، وانحشرت إيران إلى جانبه في هذا الصراع المعقد والمتعدد الزوايا، وانتهى الأمر بأن الغالبية العظمى من السوريين (وهم مسلمون سنّة يشكّلون 74% ومعهم شرائح من المواطنين الآخرين) كانوا ضد النظام وضد حليفته إيران!
لقد كانت إيران في سوريا فعلاً أمام معضلة حقيقية: نظام فقد شعبيته، أو بعبارة أدق أن الغالبية ثارت عليه، ومؤامرة إقليمية ودولية هدفها طرد إيران من سوريا وقطع خطوط إمداد المقاومة!
بعد أن انتهت معركة «طوفان الأقصى» مع إسرائيل إلى ما انتهت إليه، وبعد خسارة سوريا، استقوى الصوت الشيعي الذي يرى بأن إيران وحزب الله قد جرّا الشيعة إلى معركة سيفقدون فيها كلّ الفرص التي حصلوا عليها بسقوط صدام
ومع سقوط النظام، فقدت إيران موطئ القدم الذي كانت تملكه في مواجهة إسرائيل، وخطوط إمدادها الرئيسية للمقاومة. بعبارة أخرى: انكسر العمود الفقري لمحور المقاومة. وهكذا كانت نهاية 45 عاماً من صراع إيران مع إسرائيل، ولم يعد يملك هذا الصراع - بعد فقدان سوريا - أي مقومات فعليّة. خاصة أن العامل الطائفي (لا الديني أو القومي أو غيرهما) هو الذي تسيّد المنطقة، بل وقسّمها إلى خندقين أساسيين: إيران والشيعة والقليل من السنّة وقفوا مع محور المقاومة، وغالبية عربية وإسلامية اختارت بعض حكوماتها الوقوف مع إسرائيل، واختارت غالبية شعوبها الوقوف على الحياد وهي تردد: اللهم اشغل الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.
حتى «حماس»، وبعد استشهاد القادة الأقرب لإيران كالسنوار والعاروري وإلى حد ما هنية، عاد خط مشعل المتحفظ على إيران ليكون الأبرز فيها. ومشعل يرى أن إيران تستخدم القضية الفلسطينية ورقة أمام العالم، وتزوق نفسها بها أمام العرب السنة. وهو ما يردده أعداء إيران من سلفيين وطائفيين وليبراليين عرب نفسه.
من جانب آخر، وبعد أن انتهت معركة «طوفان الأقصى» مع إسرائيل إلى ما انتهت إليه، وبعد خسارة سوريا، استقوى الصوت الشيعي الذي يرى بأن إيران وحزب الله قد جرّا الشيعة إلى معركة سيفقدون فيها كلّ الفرص التي حصلوا عليها بسقوط صدام، وسيصبحون وحدهم أعداء أميركا والغرب في المنطقة، بينما العالم العربي السنّي يتحالف معهما وينفض يده من قضية فلسطين.
وفي إيران نفسها، وبسبب الحصار الخانق الذي تعانيه، وما انتهت إليه كل جهود مساندة سوريا (إذ كانت تزودها بمليوني برميل نفط شهرياً مجاناً، وتبيعها مليوناً بالآجل، وتعطيها 3 مليارات دولار سنوياً منحة مجانية فضلاً عن ديونها على سوريا والتي بلغت 30 مليار دولار)، فالشعب الإيراني - في غالبيته - لم يعد يملك أي حماسة للاستمرار في التوجهات السابقة، ولا يرى أي مصلحة له فيها. وربما هو يغلي ضد هذه التوجهات، محتجاً على إدخاله في صراع خرج منه أصحابه الحقيقيون، أي العرب، وتركوا إيران ومَن معها يلعقون جراحهم. خاصة أن العرب يرون اليوم أن المشكلة هي إيران وليست إسرائيل.
يبدو أن كل هذا يحتم على إيران أن تعيد النظر في إستراتيجيتها، وقد فقدت الكثير من مقومات الصراع، وانقلبت موازين القوى لغير صالحها. ثم إنها - من وجهة نظر أخرى - أدت مهمتها؛ فطوال 45 عاماً وهي تصارع إسرائيل، فلتسلّم الراية لتركيا (التي أخذت محل إيران في سوريا وأصبحت أقرب لإسرائيل جغرافياً) ولحلفائها من الجهاديين العرب، والذين هم أولى بالقضية وأقرب إلى فلسطين وأكثر اتساقاً مع خط مشعل الإسلامي وما يمثّله في فلسطين. لقد آن الأوان أن تترك إيران سوريا وشأنها وفلسطين لأهلها والعرب وإشكالاتهم، وأن تكون لها مقاربة مختلفة للقضية الفلسطينية، وتنتظر ما تؤول إليه الأحداث، والشاعر يقول:
«والليالي من الزمان حبالى
مثقلات يلدن كل عجيب».
باختصار شديد، على إيران أن تلتفت إلى أمورها، فهي أعطت للقضية أقصى ما تستطيع، وخسرت الكثير، وأكثر ما خسرته: أنها قاتلت في بيئة لا تحبّها ولا تثق بها.
* كاتب عراقي
